في مشهد يعكس حالة الذعر الجيوسياسي التي تسيطر على الأسواق المالية، سجلت المعادن الثمينة قفزات جنونية لم يشهدها التاريخ من قبل. لم تكن هذه القفزة مجرد تصحيح سعري، بل كانت رد فعل مباشر على تصريحات مدوية أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعادت إلى الأذهان حقبة الحروب التجارية الشرسة، ولكن هذه المرة بصبغة إقليمية أكثر حدة.
بدأت القصة حين لوّح الرئيس ترامب بسلاح التعرفات الجمركية الضخمة ضد دول أوروبية كبرى، والسبب؟ معارضة هذه الدول لخطته الطموحة والمثيرة للجدل لضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة.
هذا التصعيد لم يقتصر على التصريحات الدبلوماسية، بل كشفت التقارير أن التهديد طال ثماني دول أوروبية أقدمت على إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة التابعة للتاج الدنماركي، وهو ما دفع ترامب للضغط بفرض رسوم جمركية عقابية مالم يتم بيع الإقليم بالكامل لواشنطن.
أمام هذه التوترات التي تنذر بانهيار التحالفات التقليدية ونشوب حرب تجارية عالمية، هرع المستثمرون إلى الأمان السائل. وفي تداولات آسيوية وُصفت بالتاريخية، شهدنا الأرقام التالية، حلّق الذهب إلى ذروة خيالية بلغت 4,671 دولاراً للأونصة، محطماً كافة التوقعات والمنطق الاقتصادي السابق، والفضة، لم تكن بمنأى عن هذا الانفجار السعري، حيث استقرت عند 93 دولاراً، في إشارة واضحة على فقدان الثقة بالعملات الورقية أمام ضجيج التهديدات العسكرية والاقتصادية.
فما نراه اليوم هو تجسيد لسياسة حافة الهاوية. حيث أن استخدام التعرفات الجمركية كأداة ضغط لشراء أقاليم سيادية هو سابقة تقلب موازين القانون الدولي والاقتصاد العالمي معاً. الأسواق اليوم لا تتفاعل مع بيانات التضخم أو البطالة، بل باتت رهينة لتغريدة أو تصريح يتعلق بحدود الدول وسيادتها، فوصول الذهب إلى عتبة الـ 4,700 دولار ليس علامة قوة للاقتصاد، بل هو جرس إنذار يعكس حجم الخوف من قادم الأيام. فإذا استمرت الإدارة الأمريكية في نهج المقايضة بالأقاليم، فقد نشهد انهياراً في سلاسل التوريد الأوروبية-الأميركية، وهو ثمن قد يفوق بكثير قيمة أي جزيرة، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية.